top of page
  • ISQL
بحث

المواصفة الدولية أيزو 29990 – خدمات التعلّم (إرث مهني ما زال مؤثراً)

  • 21 أبريل
  • 4 دقيقة قراءة

في عالم التعلّم والتدريب، كانت الجودة دائماً عنصراً أساسياً لا يمكن تجاهله. فالمتعلم اليوم لا يبحث فقط عن برنامج جميل في شكله أو عنوان جذاب، بل يريد تجربة تعليمية واضحة، منظمة، مفيدة، وعادلة. يريد أن يشعر بأن الوقت الذي يستثمره في التعلم سيعود عليه بنتيجة حقيقية، وأن الجهة التي تقدم الخدمة تأخذ الجودة بجدية ومسؤولية. من هنا جاءت أهمية المواصفة الدولية أيزو 29990، التي تُعد اليوم مواصفة ذات طابع تراثي أو إرثي، لكنها ما زالت تحمل قيمة كبيرة في فهم جودة خدمات التعلّم.

لقد صُممت هذه المواصفة أساساً لخدمات التعلّم والتدريب خارج نطاق التعليم النظامي التقليدي. وكان هدفها دعم الجهات التي تقدم التعلم بحيث تعمل بطريقة أكثر تنظيماً ووضوحاً وتركيزاً على احتياجات المتعلم. وقدّمت رؤية مهمة مفادها أن جودة التعلّم لا يجب أن تعتمد فقط على حسن النية أو الخبرة الشخصية، بل ينبغي أن تقوم أيضاً على أسس واضحة، وإجراءات مفهومة، ومتابعة مستمرة، وتطوير دائم.

ومن أجمل الجوانب في هذه المواصفة أنها أعطت المتعلّم مكانة مركزية في العملية التعليمية. وهذه الفكرة تبدو اليوم بديهية، لكنها في الواقع كانت خطوة مهمة في ترسيخ مفهوم أن المتعلم ليس مجرد متلقٍ للمعلومة، بل هو محور الخدمة التعليمية كلها. وهذا يعني أن تصميم البرامج، وأهداف التعلم، وطرق التقديم، وآليات التقييم، وحتى أسلوب التواصل، يجب أن تنطلق جميعها من سؤال بسيط لكنه عميق: ماذا سيستفيد المتعلم فعلاً؟

هذا التوجه مهم جداً في العالم العربي أيضاً، لأن المنطقة تشهد نمواً كبيراً في مجالات التدريب المهني، والتطوير المؤسسي، والتعلّم الإلكتروني، والتعليم المستمر. ومع توسع هذه المجالات، تصبح الحاجة أكبر إلى معايير تساعد على بناء الثقة، ورفع مستوى التنظيم، وتقليل العشوائية. وهنا يظهر الأثر الإيجابي لمواصفة مثل أيزو 29990، حتى وإن كانت اليوم من المواصفات ذات الطابع التاريخي، لأنها ساعدت في بناء ثقافة الجودة في قطاع التعلّم.

كما أن من النقاط الإيجابية جداً في هذه المواصفة أنها لم تركز على الجانب النظري فقط، بل اهتمت كذلك بالجانب العملي والإداري. فهي شجعت الجهات المقدمة للتعلّم على تحديد أهدافها بوضوح، وتنظيم عملياتها، وتوزيع المسؤوليات، والتأكد من كفاءة من يقدمون الخدمة، ومراجعة النتائج بصورة منتظمة. وبمعنى أبسط، كانت تدعو إلى أن تكون خدمات التعلّم أكثر مهنية وأكثر شفافية وأكثر قدرة على التطور.

وهذا النوع من التفكير مهم جداً في بيئاتنا العربية، لأن الكثير من المتعلمين وأصحاب العمل وأولياء الأمور والجهات المستفيدة من التدريب أصبحوا أكثر وعياً مما كان عليه الحال في السابق. لم يعد السؤال فقط: هل يوجد برنامج؟ بل أصبح السؤال: هل هذا البرنامج منظم؟ هل أهدافه واضحة؟ هل التقييم فيه عادل؟ هل مخرجاته مفهومة؟ هل هناك متابعة وتحسين؟ هذه الأسئلة هي نفسها التي ساعدت أيزو 29990 على ترسيخها داخل قطاع التعلّم.

ومن المهم أيضاً أن نفهم أن وصف هذه المواصفة بأنها “قديمة” أو “إرثية” لا يعني أنها فقدت قيمتها. على العكس، هناك معايير ومواصفات عديدة تترك أثراً طويل المدى حتى بعد تحديثها أو استبدالها بإصدارات أحدث أو بأطر أخرى. وهذا ينطبق على أيزو 29990، لأنها ساعدت على نقل التفكير في التعلّم من مجرد تقديم محتوى إلى تقديم خدمة تعليمية متكاملة، لها تصميم، وإدارة، وقياس، وتحسين.

وفي عصر التعلّم الرقمي والتعليم عبر الحدود، تزداد أهمية هذه المبادئ أكثر من أي وقت مضى. فالمتعلم العربي اليوم قد يدرس عن بُعد، وقد يتلقى تدريباً من جهة خارج بلده، وقد يتعامل مع أنماط تعليمية مرنة وحديثة. وفي مثل هذه البيئة، تصبح الشفافية والجودة والتنظيم عناصر ضرورية لبناء الثقة. لذلك، حتى لو كانت أيزو 29990 تنتمي إلى مرحلة سابقة، فإن روحها ما زالت حاضرة بقوة في كل نقاش جاد حول جودة خدمات التعلّم.

كما أن هذه المواصفة قدمت درساً مهماً جداً، وهو أن التعلّم الجيد لا يقوم فقط على المادة العلمية، بل أيضاً على طريقة إدارتها وتقديمها. فقد يكون المحتوى ممتازاً، لكن إذا لم تكن الأهداف واضحة، أو كانت آلية التقييم غير عادلة، أو كان التواصل مع المتعلمين ضعيفاً، فإن جودة التجربة كلها تتأثر. ومن هنا جاءت أهمية النظر إلى التعلّم بوصفه خدمة متكاملة تحتاج إلى جودة في كل تفاصيلها.

ولعل ما يجعل الحديث عن هذه المواصفة مناسباً للقارئ العربي هو أن مجتمعاتنا أصبحت أكثر اهتماماً بالتطوير المهني، والتدريب المستمر، والمهارات العملية، والتعلم مدى الحياة. ومع هذا التوسع، لا يكفي أن نزيد عدد البرامج فقط، بل يجب أن نهتم أيضاً بمستوى التنظيم والموثوقية والنتائج. فالجودة هنا ليست ترفاً، بل ضرورة. وهي التي تصنع الفرق بين برنامج عابر وبرنامج يترك أثراً حقيقياً في الفرد والمؤسسة.

ومن الجانب الإيجابي أيضاً، ساعدت هذه المواصفة في تعزيز فكرة التحسين المستمر. أي أن الجهة التعليمية أو التدريبية لا تكتفي بما قدمته مرة واحدة، بل تراجع، وتقيس، وتتعلم من التجربة، وتطوّر نفسها باستمرار. وهذه الفكرة في غاية الأهمية في عالم سريع التغير، حيث تتطور احتياجات المتعلمين، وتتبدل المهارات المطلوبة في السوق، وتزداد المنافسة على الجودة والمصداقية.

وعند النظر إلى إرث أيزو 29990 اليوم، يمكن القول إنها كانت محطة بناءة في تاريخ تطوير جودة خدمات التعلّم. لقد ساعدت على نشر لغة مهنية مشتركة، وعلى رفع الوعي بأهمية المتعلم، وعلى تعزيز الانضباط في تقديم الخدمات التعليمية. وربما هذا هو السبب الذي يجعلها ما زالت تُذكر باحترام حتى بعد مرور الوقت، لأنها لم تكن مجرد نص تقني، بل كانت مساهمة حقيقية في بناء ثقافة جودة أكثر نضجاً.

في النهاية، يمكننا القول إن القيمة الحقيقية لهذه المواصفة لا تكمن فقط في تاريخها، بل في المبادئ التي كرّستها: وضوح الأهداف، التركيز على المتعلم، كفاءة التنفيذ، عدالة التقييم، والتحسين المستمر. وهذه مبادئ لا تخص فترة زمنية معينة، بل تبقى صالحة لكل زمان ومكان. ولهذا، فإن الحديث عن أيزو 29990 ليس حديثاً عن الماضي فقط، بل هو أيضاً تذكير مهم بما ينبغي أن تبقى عليه خدمات التعلّم الجيدة في الحاضر والمستقبل.



Hashtags:

 
 
 

تعليقات


bottom of page